أبي الفرج الأصفهاني
488
الأغاني
قدم ابن جامع قدمة له من مكة على الرشيد ، وكان ابن جامع حسن السّمت كثير الصلاة قد أخذ السجود جبهته ، وكان يعتمّ بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة ، ويلبس لباس الفقهاء ، ويركب حمارا مرّيسيّا [ 1 ] في زيّ أهل الحجاز . فبينا هو واقف على باب يحيى بن خالد يلتمس الإذن عليه ، فوقف على ما كان يقف الناس عليه في القديم حتى يأذن لهم أو يصرفهم ، أقبل [ 2 ] أبو يوسف القاضي بأصحابه أهل القلانس ؛ فلما هجم على الباب نظر إلى رجل يقف إلى جانبه ويحادثه ، فوقعت عينه على ابن جامع فرأى سمته وحلاوة هيئته ، فجاء فوقف إلى جانبه ثم قال له : أمتع اللَّه بك ، توسّمت / فيك الحجازيّة والقرشيّة ؛ قال : أصبت . قال : فمن أيّ قريش أنت ؟ قال : من بني سهم . قال : فأيّ الحرمين منزلك ؟ قال : مكة . قال : ومن لقيت من فقهائهم ؟ قال : سل عمن شئت . ففاتحه الفقه والحديث فوجد عنده ما أحبّ فأعجب به . ونظر الناس إليهما فقالوا : هذا القاضي قد أقبل على المغنّي ، وأبو يوسف لا يعلم أنه ابن جامع . فقال أصحابه : لو أخبرناه عنه ! ثم قالوا : / لا ، لعلَّه لا يعود إلى مواقفته [ 3 ] بعد اليوم ، فلم نغمّه . فلما كان الإذن الثاني ليحيى غدا عليه الناس وغدا عليه أبو يوسف ، فنظر يطلب ابن جامع فرآه ، فذهب فوقف إلى جانبه فحادثه طويلا كما فعل في المرّة الأولى . فلما انصرف قال له بعض أصحابه : أيها القاضي ، أتعرف هذا الذي تواقف وتحادث ؟ قال : نعم ، رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء . قالوا : هذا ابن جامع المغنيّ ؛ قال : إنا للَّه ! . قالوا : إن الناس قد شهروك بمواقفته وأنكروا ذلك من فعلك . فلما كان الإذن الثالث جاء أبو يوسف ونظر إليه فتنكَّبه ، وعرف ابن جامع أنه قد أنذر به ، فجاء فوقف فسلَّم عليه ، فردّ السلام عليه أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه به ثم انحرف عنه . فدنا منه ابن جامع ، وعرف الناس القصة ، وكان ابن جامع جهيرا فرفع صوته ثم قال : يا أبا يوسف ، ما لك تنحرف عني ؟ أيّ شيء أنكرت ؟ قالوا لك : إني ابن جامع المغنيّ فكرهت مواقفتي لك ! أسألك عن مسألة ثم اصنع ما شئت ؛ ومال الناس فأقبلوا نحوهما يستمعون . فقال : يا أبا يوسف ، لو أن أعرابيّا جلفا وقف بين يديك فأنشدك بجفاء وغلظة من لسانه وقال : يا دارمية بالعلياء فالسّند أقوت وطال عليها سالف الأبد / أكنت ترى بذلك بأسا ؟ قال : لا ، قد روي عن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم في الشعر قول ، وروى في الحديث . قال ابن جامع : فإن قلت أنا هكذا ، ثم اندفع يتغنّى فيه حتى أتى عليه ؛ ثم قال : يا أبا يوسف ، رأيتني زدت فيه أو نقصت منه ؟ قال : عافاك اللَّه ، أعفنا من ذلك . قال : يا أبا يوسف ، أنت صاحب فتيا ، ما زدته على أن حسّنته بألفاظي فحسن في السماع ووصل إلى القلب . ثم تنحّى عنه ابن جامع . سأل سفيان بن عيينة عن السبب الذي أصاب به مالا فأجيب : قال : وحدّثني عبد اللَّه بن شبيب قال حدّثني إبراهيم بن المنذر عن سفيان بن عيينة ، ومرّ به ابن جامع يسحب الخزّ ، فقال لبعض أصحابه : بلغني أنّ هذا القرشيّ أصاب مالا من بعض الخلفاء ، فبأيّ شيء أصابه ؟ قالوا : بالغناء . قال : فمن منكم يذكر بعض ذلك ؟ فأنشد بعض أصحابه ما يغنّي فيه :
--> [ 1 ] مريسي : نسبة إلى مريسة ( كسكينة ، كما في « القاموس » وشرحه مادة مرس وضبطها صاحب « معجم البلدان » بفتح الميم ) : قرية بمصر من ناحية الصعيد إليها تنسب الحمر المريسية وهي من أجود الحمر وأمشاها . [ 2 ] في جميع الأصول : « فأقبل » . [ 3 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « مرافقته » .